إنه نيسان بصباحاته التي تبعث على الحبّ وشمسه الحنون التي تعبث بوجهي وشعري مثل امّ ناشرةً رماحاَ من الأشعة الصفراء و جاعلة دقائق الغبار واضحة وهي تسبح ببطء , كان هذا في غرفتي التي تقع عند الطابق العلوي لمنزلنا الواسع القديم الذي يحتاج إلى ترميم في الكثير من زواياه و المطلّ على الشارع الرئيس . كنت استمتع بدفئها و أنا اجلس قرب الشرفة التي تواجه الكرسيّ الذي اجلس عليه وأنا أتأمل ركبتي الملفوفة بعد أن طحنتها رصاصة في إحدى ساحات بغداد المليئة بالرصاص قبل أسابيع , كنت ألفها بعناية خوفا من التهاب الجرح وأنا أتخيل نفسي أعرج بمشيتي إذا ما شفيت وتركت العكازين…. المني ذلك كثيرا …
كم هي ملعونة الحرب…عصرت ذاكرتي باحثا عن صلة لهذا الملاك التلميذ
بأي شخص يذكرني ولكني عجزت ولكن ربما هو أو هي من العائلات التي
تركت منازلها وأرضها هربا من العنف والقتل ؟ ربما !! أشعلت لفافة تبغ
أخرى و نظري لا يزيغ عن ذلك المخلوق وقد رأيت مجموعة من أفراد الشرطة وهم يتجهون نحوه ويشترون بعض تلك المكسرات – ربما كي يكسّروا القلق والتوتر في ساعات دوريتهم المملّة الخطرة-….لم اعد أرى شيئا فقد أوقف أولئك الشرطة سيارة يقودها شخص ما وظلوا
يتحاورون معه ولم اعد أرى ذلك الطفل , بقيت أفكر بألم وأنا استغرب من نفسي فقد رأيت أناسا يقتلون أمامي ولكن لم احزن مثل حزني هذا على ذلك الطفل الذي يفترش الرصيف , قاطع تفكيري صوت والدتي العجوز الحنون الحزين وهي تناديني مذكرة إياي بموعد تناول الدواء …توكأت على عكازيّ المعدنيين الذين أصدرا طقطقة تذكرني بالعجز وبدأت انزل ماشيا بهدوء حذر خوفا من الألم الذي سيهاجمني بغير مجاملة إذا أخطأت أو سهوت
في خطواتي …وصلت إلى درابزين السلم المعدني الذي يحتاج إلى إعادة طلاء و توكأت عليه ممسكا بيدي الأخرى عكازيّ وبدأت انزل بحذر وأنا استند على ساقي السليمة ,وصلت حتى منتصف السلّم و رفعت رجلي من اجل خطوة أخرى وهنا شعرت بان ذراعا خفيّه دفعتني أو رفعتني بقوة نحو اللا مكان !! فقدت توازني وارتفع جسمي في الهواء وأنا امسك بيد واحدة بمعدن الدرابزين ولكني لم استطع أن امسكها أكثر لأني اضعف من أن أواجه تلك القوة فأفلتها منتظرا الألم القادم وأنا أحاول التفكير في نفس الوقت بما حصل ولكن الإجابة جاءتني سريعا مع صوت تحطم زجاج وصوت عملاق لانفجار هائل ! تذكرت أن الصوت يتأخر دوما عند الانفجار ويسبقه العصف! سقطت على درجات السلم الحادة المتثلمة وتدحرجت إلى الأرض وقد سبقني زجاج الشباك الذي يواجه الدرج وصراخ أمي المبحوح . كنت أرى الدم وهو ينزف من لفافة الجرح وأحس بألم وخدر في كل جسدي, شعرت بفزع شديد وأنا أحاول أن ابحث عن عكازيّ فقد تذكرت ملاك الرصيف! لم استطع النهوض ويدي تمسح على الأرض بيأس باحثا عنه.. بكيت بألم وصمت و أنا أتخيل الملاك يترك الرصيف محترقا نحو السماء .
Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.


